الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

135

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

اليدين وتربط بعد ذلك بسلسلة ، وبما أن العنق أو اليدين تقع في ما بينها فقد استعملت هذه المفردة في هذا المورد ، وحينا تكون الأغلال في العنق مربوطة بسلسلة مستقلة عما تربط به أغلال الأيدي ، وحينا تكون جميعها مربوطة بسلسلة واحدة فيكون الشخص بذلك تحت ضغط شديد وفي محدودية وعذاب شديدين . وإذا قيل لحالة العطش الشديد أو الحسرة والغضب " غلة " فإن ذلك لنفوذ تلك الحالة في داخل قلب وجسم الإنسان ، وأساسا فإن مادة " غل " - على وزن جد - بمعنى الدخول أو الإدخال ، لذا قيل عن حاصل الكسب أو الزراعة وأمثالها " غلة " ( 1 ) . وقد تكون حلقة " الغل " حول الرقبة عريضة أحيانا بحيث تضغط على الذقن وترفع الرأس إلى الأعلى ، من هنا فإن المقيد يتحمل عذابا فوق العذاب الذي يتحمله من ذلك القيد بأنه لا يستطيع مشاهدة أطرافه . ويا له من تمثيل رائع حيث شبه القرآن الكريم حال عبدة الأوثان المشركين بحال هذا الإنسان ، فقد طوقوا أنفسهم بطوق " التقليد الأعمى " ، وربطوا ذلك بسلسلة " العادات والتقاليد الخرافية " فكانت تلك الأغلال من العرض والاتساع أنها أبقت رؤوسهم تنظر إلى الأعلى وحرمتهم بذلك من رؤية الحقائق ، وبذلك فإنهم أسرى لا يملكون القدرة والفعالية والحركة ، ولا قدرة الإبصار ( 2 ) . على أية حال فإن الآية أعلاه ، تعتبر شرحا لحال تلك الفئة الكافرة في الدنيا وحالهم في عالم الآخرة الذي هو تجسيد لمسائل هذا العالم ، وليس من الغريب استخدام صيغة الماضي في تصوير حال الآخرة هنا ، فإن الكثير من الآيات القرآنية الكريمة تتكلم بصيغة الماضي حينما تتعرض إلى الحوادث المسلم بها في

--> 1 - مفردات الراغب ، وقطر المحيط ، ومجمع البحرين ، مادة غل . 2 - على ما أوردناه أصبح واضحا أن الضمير " هي " في جملة فهي إلى الأذقان يعود على " الأغلال " بحيث أنها رفعت أذقانهم إلى الأعلى ، وجملة " فهم مقمحون " تفريع على ذلك . وما احتمله البعض من أن " هي " تعود على " الأيدي " التي لم يرد ذكرها في الآية ، يبدو بعيدا جدا .